فخر الدين الرازي
236
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
الخلق وإحكام الرأي يقال له الإجماع والجمع قال اللّه تعالى : فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ [ يونس : 71 ] فلما كان المكر رأيا محكماً قوياً مصوناً عن جهات النقص والفتور ، لا جرم سمي مكراً . المسألة الثانية : أما مكرهم بعيسى عليه السلام ، فهو أنهم هموا بقتله ، وأما مكر اللّه تعالى بهم ، ففيه وجوه الأول : مكر اللّه تعالى بهم هو أنه رفع عيسى عليه السلام إلى السماء ، وذلك أن يهودا ملك اليهود ، أراد قتل عيسى عليه السلام ، وكان جبريل عليه السلام ، لا يفارقه ساعة ، وهو معنى قوله / وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ * [ البقرة : 87 ] فلما أرادوا ذلك أمره جبريل عليه السلام أن يدخل بيتاً فيه روزنة ، فلما دخلوا البيت أخرجه جبريل عليه السلام من تلك الروزنة ، وكان قد ألقى شبهه على غيره ، فأخذ وصلب فتفرق الحاضرون ثلاث فرق ، فرقة قالت : كان اللّه فينا فذهب ، وأخرى قالت : كان ابن اللّه ، والأخرى قالت : كان عبد اللّه ورسوله ، فأكرمه بأن رفعه إلى السماء ، وصار لكل فرقة جمع فظهرت الكافرتان على الفرقة المؤمنة إلى أن بعث اللّه تعالى محمدا صلى اللّه عليه وسلم ، وفي الجملة ، فالمراد من مكر اللّه بهم أن رفعه إلى السماء وما مكنهم من إيصال الشر إليه . الوجه الثاني : أن الحواريين كانوا اثنى عشر ، وكانوا مجتمعين في بيت فنافق رجل منهم ، ودل اليهود عليه ، فألقى اللّه شبهه عليه ورفع عيسى ، فأخذوا ذلك المنافق الذي كان فيهم ، وقتلوه وصلبوه على ظن أنه عيسى عليه السلام ، فكان ذلك هو مكر اللّه بهم . الوجه الثالث : ذكر محمد بن إسحاق أن اليهود عذبوا الحواريين بعد أن رفع عيسى عليه السلام ، فشمسوهم وعذبوهم ، فلقوا منهم الجهد فبلغ ذلك ملك الروم ، وكان ملك اليهود من رعيته فقيل له إن رجلًا من بني إسرائيل ممن تحت أمرك كان يخبرهم أنه رسول اللّه ، وأراهم إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص فقتل ، فقال : لو علمت ذلك لحلت بينه وبينهم ، ثم بعث إلى الحواريين ، فانتزعهم من أيديهم وسألهم عن عيسى عليه السلام ، فأخبروه فتابعهم على دينهم ، وأنزل المصلوب فغيبه ، وأخذ الخشبة فأكرمها وصانها ، ثم غزا بني إسرائيل وقتل منهم خلقاً عظيماً ومنه ظهر أصل النصرانية في الروم ، وكان اسم هذا الملك طباريس ، وهو صار نصرانياً ، إلا أنه ما أظهر ذلك ، ثم إنه جاء بعده ملك آخر ، يقال له : مطليس ، وغزا بيت المقدس بعد ارتفاع عيسى بنحو من أربعين سنة ، فقتل وسبى ولم يترك في مدينة بيت المقدس حجراً على حجر فخرج عند ذلك قريظة والنضير إلى الحجاز فهذا كله مما جازاهم اللّه تعالى على تكذيب المسيح وألهم بقتله . القول الرابع : أن اللّه تعالى سلّط عليهم ملك فارس حتى قتلهم وسباهم ، وهو قوله تعالى : بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ [ الإسراء : 5 ] فهذا هو مكر اللّه تعالى بهم . القول الخامس : يحتمل أن يكون المراد أنهم مكروا في إخفاء أمره ، وإبطال دينه ومكر اللّه بهم حيث أعلى دينه وأظهر شريعته وقهر بالذل والدناءة أعداءه وهم اليهود واللّه أعلم . المسألة الثالثة : المكر عبارة عن الاحتيال في إيصال الشر ، والاحتيال على اللّه تعالى محال فصار لفظ المكر في حقه من المتشابهات وذكروا في تأويله وجوهاًأحدها : أنه تعالى سمى جزاء المكر بالمكر ، كقوله وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [ الشورى : 40 ] وسمى جزاء المخادعة بالمخادعة ، وجزاء الاستهزاء بالاستهزاء والثاني : أن معاملة اللّه معهم كانت شبيهة بالمكر فسمي بذلك الثالث : أن هذا اللفظ ليس من المتشابهات ، لأنه عبارة عن التدبير المحكم الكامل ثم اختص في العرف بالتدبير في إيصال / الشر إلى الغير ، وذلك في حق اللّه تعالى غير ممتنع واللّه أعلم .